جلف ليكس

ان نكون افضل من ان لا نكون بقلم أميره الخضرا

‏احيانا نكتبُ لأنّا لا نريدُ لجوفِنا أن يصبح باهتًا، ولا أسودَ فاحمًا كالليل، من أثرِ الظلمات المتواليةِ التي مرّت به والتصقت عليه.. نكتبُ لأنّ الكتابةَ فعلٌ مُرادٌ لا إراديٌّ يحتوينا، يزكّي أنفسَنا، يجمّلنا، ويرقّينا، ويخلّصُ قلوبَنا المتعطّشةِ للخيرِ والنقاء من كل دنَسٍ وكدر.. نكتبُ ببساطة لأنّ الكتابةَ شيءٌ فيه جمال، ولا يمكنُ لشيءٍ جميلٍ أن يستوعبَ فكرةَ احتواءِ البشاعةِ ضمنَ أيِّ حدودٍ أو مساحة، إلاّ إذا استيقن أنّهُ ما احتواها سوى لينقّيها ويطردَها إلى الخارج…
نكتب لاننا نكاد ان ينفجر ما تم ضغطه عنوة حفاظا ع الكبرياء وهيبة النفس …نكتب لان عيوننا لا تستطيع ان تحتمل مزيدا من مياه الحزن التي تصب في سدها.. ففيضانها اغرق كبتها المياه في السدود …
نكتب الكلمات ونفرغها لكي ترتسم الروح فيها ولعلها تفرغ صراخ الروح الذي لا يسمع فترتاح قليلا…
اننا نكتبُ لأنّنا محبّون، ولأنّنا لا نرضى لأنفسنا بأن تسقطَ في حفرةٍ من أحفارِ الفرقةِ والضغينةِ والتصارع.. نكتبُ لأنّ الأصحابَ لا يدومون، ولا الأقاربَ ولا الإخوان ولا حتّى الأحباب.. أمّا الكتابة فتدومُ وتدوم، وقد تكونُ هيَ السبب في توطيدِ ودوامِ أحلى الصداقاتِ مع مرِّ الأيّام وكرِّ الليالي والأحلام.. وتُواصلُ الكتابةُ المَسير، لتكونَ لنا يومَ القيامةِ شافعًا وحجّةً وسفينة، ننجو بها من الغرق..
بالكتابةِ نحن لا نحتوي البشاعة، بل نشرفُ عليها إشرافًا راقيًا ونبيلا.. نطلُّ عليها من بعيد، إطلالةً مشفقةً حانية، ترقبُ الإصلاحَ وتحملُ بينَ كفّيها لمسةَ الشفاء.. نطلُّ عليها من بعيد لنلقي عليها شيئًا من جمالِ روحنا، وطُهرِ براءتنا، ولمعةِ نقائنا، ودهشةِ الطفولة.. نكتبُ للبشاعةِ لننقّيها ونجمّلَها ونتركَ عليها شيئًا من أرواحِنا الفوّاحةِ الطاهرة النضّاحةِ بالنورِ والإيمان، ثمّ نطيرُ بعدها لنستكملَ رحلةَ السير، بألقٍ وخفّةٍ وشفافية، وبقلبٍ صافٍ برّاق، لا شوائبَ فيه ولا كدر..
نكتبُ لأنّ الوحدةَ راحة وسكينه وغزل للكلمات ولأنَّ الكتابةَ هي أرضُ الوحدةِ الساحرةِ التي تبلّغنا هاتيكَ الراحةَ المثاليّة التي نصبو إليها وننشدُها أبدَ الدهر، بعيدًا عن الأرضِ والناس.. ليسَ لأنّنا نكرهُ الناس ونتسامى بأنفسِنا عنهم، على العكسِ تمامًا؛ بل لأنّنا نحبّهم، ونحبّ لهم الخير، وننشدُ راحتهم وسكونهم، ونتمنّى؛ بل ونسعى إلى أن نلقاهم على الأرضِ اليومَ، وغدًا في السماء بأفضلِ حالٍ بمقدورِنا أن نلقاهم به.. وبالكتابةِ فقط نحنُ نستطيع أن نكون أفضلَ ما نكون..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق