الرئيسيةسياسةمقالات

المقامرة السياسيه وصفقات التحالف المتقاطعة في الشرق الأوسط

المقدمة:

بِسْم الله والصلاة والسلام على سيد الخلق محمد بن عبدالله النبي الامي صانع الامم ومقوم الأفئدة ومؤسس بناء المجتمعات والانظمة البشرية عبر تهذيب النفس وتعلقها بالخالق، الكفيلة يأن تكون المحفز المتجدد للشعوب لصناعة التغيير وبناء المنظومات المهترئة. فكل ما سقطت امة وكادت ان تضمحل خرج من ركامها امة اخرى تلمست وبحثت في جواهر هذا الدين ومقتنيات هذه السنة لكي تبث الروح في الامة من جديد، ولتتجدد الأرواح وتتفجر الطاقات فيعجز عن محاربتها اعدائها ليبحثوا بعد ذلك عن الصلح معها لتفادي ثورتها وانفجار بركانها القادم، وهو ما نلمسه الان وبكل وضوح.

فإن ظاهرة الربيع العربية هي ظاهرة ربانية حيث تتفجر هذه الشعوب امام اعيننا لتعود الامة الى كتاب ربها وسنة نبيها صلوات الله وسلامه عليه. يدفعها حالة القمع والاستعمار والانحطاط الأخلاقي والثقافي المفروض عليها من تلك القوى المنتصرة في كرتها الماضية منذ إسقاط الخلافة العثمانية الى احتلال بلاد المسلمين ثم تعيين وكلاء لهم تحت غطاء الاستقلال مع استمرار الاستعمار الاقتصادي والسياسي للامة، كما هو الحاصل الان فنحن مازلنا غنيمة بين عدة دول تنازعوها كما يتنازعون قطعة اللحم على موائدهم.

وهنا سنناقش الحوار الدائر بين صناع القرار ووكلائهم في المنطقة وتدخل أطراف اخرى لم تقتسم معهم تريد ان تبدل المعادلة وتصعد على موجة التغيير ليكون لها الحضوة والريادة الاقتصادية والسياسية مستقبلا في بلادهم وفي المنطقة والعالم اجمع، وهنا نستطيع ان نقول ونصف كيف بدأت المقامرة السياسية الكبرى في الشرق الاوسط وكيف صنعت لها أحلاف في الخارج حتى دخلت كل بيت سياسي في امريكا وأوروبا بل ووصلت الى النزاع الهندي الباكستاني اخيرا. فأصبح واجباً على هذه الامة الانخراط في الصراع السياسي القائم بين تلك القوى الخفية والعميقة في العالم لكي تحدد هي تحالفاتها وتبني هي صرحها السياسي والاقتصادي كذلك وان يخرجوا من وضع الرؤيا من تلك الزاوية التي في اعماق حلبة الصراع السياسي والاقتصادي الدولي والذي انتها اخيرا الى صدام مباشر واتصخت بكامل حلقاتها في الساحة السورية والليبية وما زالت تتمدد حتى يكون صداما نووياً لا سمح الله بين الهند وباكستان او ربما بين الصين وأمريكا.

كل هذه الصراعات العالمية التي تتقاطع في الشرق الاوسط وخصوصا في العالم العربي فَعَدو الامس صديق اليوم وصديق اليوم عدو الغد، الا اذا هبت النفحات الربانية وأصبح  للأمة (الاسلامية العربية) كلمتها الفصل، فهذه الامة لديها من المقومات التي ترضخ لها الدول وتنهار بسببها بقية الامم لانها أمة محورية ترتبط بها كل مقومات النجاح وآلنصر والعلو متى ما اتحدت وتغلبت على ذاتها واستطاعت ان تعيد بناء مجدها وحلمها الذي كان دافع كل ثوراتها على مر التاريخ وكل صحواتها التي استطاعت ان توقف كل انواع الغزو واجتياحات من الامم الاخرى على مر التاريخ. بل وكانت هي الامة التي جعلت الغزاة يعودون بالقيم والعلوم والثقافة الى أممهم لانها الامة الصامدة على مر العصور.

بداية المقامرة السياسية الدولية:

من المتعارف عليه بين اجهزة المخابرات الدولية المتنازعة الاحتكام عادة الى تقنيات  استخبارية لتسوية النزاعات داخل النظام او مع نظلم اخر، اما بمخطط معين او نزاع ما، وهذا الامر حدث بالفعل عندما أراد صناع القرار في السعودية على توجيه ضربة ١١/٩ في الولايات المتحدة حين ارادت اجبار قيادات داخل الدولة وقيادات دول عربية بالرضوخ معهم في نفس المخطط مثل مصر والإمارات العربية المتحدة، ولا اعلم هل كان لهم شركاء اخرون منخرطون في هذا المخطط ( والذي اتضح اخيرا تورط المنظمة الصهيونية الدولية في العملية ) فهل كانت المنظمة الصهيونية هي الصانع الحقيقي لهذه المقامرة الدولية فيما بعد؟

وبعد انتهاء هذه الضربة اي ٩/١١ وتبعتها احداث غزو العراق وفشل الحملة وسقوط بوش الذي نفذ أهداف المخطط بامتياز حيث ادخل الولايات المتحدة في حرب كانت هدفها تدمير العراق وانشاء كيان عبثي وهو دولة داعش ودولة الاكراد فيما بعد لاستثماره في تدمير سوريا ثم بقية دول الشام والعراق وتركيا وإيران، تنبهت القوى العالمية الاخرى لخطر ما تفعله المنظمات المعنية ( الصهيونية ) بهذه المخططات، مثل المجمع الصناعي والمجمع المالي او كما يوصف بطريقة اخرى الأوليغارشية والدولة العميقة. فأصبحت هناك تحالفات جيوسياسية بين أطراف الدولة العميقة مثل السي اي ايه والممالك الأوروبية ( الأوليغارشية ) لوقف تمدد هذا المخطط المدمر للجميع. ومن هناك وتحت المظلة في كلوب بيلدمبيرج وضعت النزاعات على الطاولة واتي بكل الأطراف من اوروبا وأمريكا والشرق الاوسط، لتوضع أسس هذه اللعبة السياسية الدولية لتجنب الصدام الغير المحسوب والذي تسبب في الحرب العالمية الاولى والثانية.

وبسبب تشابك المصالح والمخاوف بين اوروبا وأمريكا من جهة وروسيا وتركيا من جهة اخرى، تطورت اللعبة وتوسعت وشملت كل دول المنطقة وخصوصا بعد ما ادخل اوباما ايران في كل من العراق وسوريا واليمن. فتركيا تنتظر بفارغ الصبر نهاية اتفاقية لوزان الظالمة بحقها وروسيا تبحث عن حقوقها في شرق اوروبا. كما اتضحت ان هناك خلافات عميقة جدا داخل الاتحاد الاوروبي بل وداخل كل دولة في اوروبا وهو كما اتضح جليا في داخل الولايات المتحدة التي في حقيقتها خلاف بين اصحاب النفوذ والمال. فهذه التجمعات ( المجمع المالي والمجمع الصناعي والدولة العميقة والمنظمة الصهيونية ) هي من تدير ساحة الصراع القائم حاليا في ما يسمى بالمقامرة السياسية الدولية وتصنع بالتالي التحالفات مع الدول العظمى مثل روسيا ألمانيا فرنسا وبريطانيا ومنها تحالفات في منطقة الصراع ومنها ايضا تحالفات في كل دولة.

الشرق الاوسط واتفاقيات المستعمر

عندما تطلع على اتفاقية سايكسبيكو واتفاقية لوزان بخصوص تركيا وتراقب التحولات الجيوسياسية فانك تعلم بما لا يساورك الشك اننا امة مازالت ترضخ تحت الاستعمار، وان تغول ايران في العراق والشام واليمن وتدخلها الفج في منطقة الخليج له دوافع سياسية وصمت قانوني دولي. فهي في حقيقة الامر تعتمد على انتهاء اتفاقية سايكسبيكو وضوء اخضر لتشكيل الامة من جديد فظهرت التوجهات التوسعية في حرب اليمن وحرب ليبيا وحرب سوريا والعراق. وأصبحت دويلات الخليج معرضة للمحو من الخارطة وبدأ الجيش المصري يبحث عن مكاسبه ايضا.

فهل كانت إرادة دولية لإعادة تشكيل المنطقة؟ وهل تم استخدام فرصة الربيع العربي وثورة الشعوب لهذا الامر؟ ولكن لماذا المستعمر يقبل بدخول غيره في البلاد المحسوبة له مثل بريطانيا والخليج وفرنسا وشمال افريقيا؟ ولماذا دخلت روسيا وأمريكا والصين على الخط؟ اذا هي ساحة صراع دولية وحرب شرسة على تقاسم الكعكة في الشرق الاوسط، وهنا تكونت ما يسمى المقامرة السياسية الدولية والتي هي أدوات استخباراتية متعارف عليها بين الدول لفض المنازعات بين الأجهزة او الدول عادة. كان اول من اثارها الملك عبدالله بن عبدالعزيز عبر مبدأ الحوار السياسي وكان يستخدم هذا الأسلوب لمعالجة تصرفات بعض الدول مثل دويلات الخليج وأمريكا وغيرها ولا ننسى عندما أتى اوباما وركع للملك عبدالله في الحادثة المشهورة آن ذاك وعندما أتى اوباما مرة اخرى ولم يستقبله الملك ومكث سويعات في المطار ثم ذهب، كانت هذه جزء من ظواهر الصراع السياسي عبر المقامرة السياسية والتي تفوق فيها الملك على امريكا في حرب العراق ثم انقلبت الكرة على السعودية ولكن الملك رفض الرضوخ لقوانين اللعبة فتم تصفيته رحمه الله.

وراهنت المنظمة الصهيونية العالمية على بن سلمان والإمارات ومصر لصناعة اعادة تشكيل الشرق الاوسط، فكان المنظم والقائد لهذا التحالف هو محمد بن زايد الذي قبل الدخول في اللعبة عبر التغول في انظمة دول الخليج مثل عمان والسعودية والكويت فعمل على قلب الحكم في السعودية ويعمل حاليا لنفس الامر في الكويت وعمان. وحاول إسقاط قطر وابتلاعها وتقسيمها مع السعودية ولكن الامر لم يحدث كما يريد بسبب تبدل قوانين هذه اللعبة التي انقلبت عليه في منتصف الطريق وعلى هذا التحالف الصهيونية. حيث حدث اختراق تركي وأمريكي من جماعة الدولة العميقة في أوائل العام ٢٠١٨. وبدت تنقلب النتائج رأسا على عقب ضد هذا التحالف. واستطاعت الامارات ان تدخل المنطقة في مواجهة محتملة وتخرج منها كالشعرة من العجين لإطلاق شرارة الحرب في الخليج والتي تعني انها ستمضي في التوسع الجيوغرافي بشكل سريع جدا. فهي بَنت علاقات مع الشيعة في السعودية واخترقت كل من عمان واليمن الجنوبي لبناء اتحاد فدرالي تتغول بعده وتبتلع الجميع كما فعلت في اتخاد الامارات بالضبط. فالإمارات تعمل الى الوصول لتوسيع تحالفها بشكل استراتيجي ليشمل كل الجزيرة العربية وربما اوسع من ذلك كبديل للشرق الاوسط الكبير او الجديد ( مشروع بوش وبايدن ) او مشروع ايران وتطلعات عودة تركيا الى المنطقة.

اما بالنسبة لسوريا ومصر فهما دولتان تقومان على نظام امني روسي وخاصة في سوريا التي قامت على خمسين ضابطا سوريا تم تأهيله في الاتحاد السوفيتي سابقاً وكذلك النظام المصري قبل ان يبتعد عن المحور الشرقي بعد كامبديفيد ويدخل في العباءة الامريكية سياسيا ولكن بكيان وهيكلة سوفيتية بوليسية أمنية. وكذلك النظام اليمني الذي كان خارج المدار الغربي والصهيوني ومتمسك بالنظام القبلي والامني ومحافظ على استقراره. فكانت مهمة المخطط الصهيوني هي تدمير سوريا واليمن فضلاً عن العراق المدمر حاليا والمطحون بتسليط عدوه اللدود عليه وهي ايران، حاولت دول الخليج اخراج الانظمة من ازمتها وإعادة تأهيلها بشتى الوسائل ولكن كانت مصر ترضخ تحت منازعات قادة الجيش مع مبارك فاستغلت الثورة ضده وأوقعته واما سوريا فكان عامل المال القطري وعشرة مليار دولار اشعل بها وزير خارجية قطر الحرب والفرقة والشقاق سبباً في انفصال فرق من الجيش والألوية السنية ضد الطائفة العلوية الحاكمة وأنصارها الإيرانيين وميليشيا حزب الله. كانت الاموال الخليجية كافية لاحتواء قادة الجيش المصريين وعمل سيناريو خروج من الازمة وانهاء ما يسمى الديموقراطية في البلاد، ولكن الامر لم يكن بنفس الصورة مع الوضع السوري حيث ان السعودية وقطر تدخلتا كطرفي نزاع عسكري ما استدعى النظام السوري لأخذ الدعم من ايران وحزب الله اللبناني في وقت مبكّر ولكنه كاد ان يسقط لولا التدخل الروسي الذي هي مصيبة بحد ذاتها للغرب والمنظمة الصهيونية التي كانت تريد ان تستحوذ على الكعكة السورية لوحدها بعد تهجير اَهلها ذاتيا كما تم وصفه بالفوضى الخلاقة. فوقع اللوم على طرفي النزاع قطر والسعودية والكل يقذفها على الاخر امام الدول الكبرى ولكن كان احد اهم اسباب ابعاد وزير خارجية قطر وتنازل الامير حمد بن خليقة عن الحكم آن ذاك هو الملف السوري وانه المسبب الرئيس في دخول الروس على مخطط اعادة توزيع التركة العربية. الامر الذي جعل الروس يتداول قضايا عدة مع الغرب وخصوصا في أوكرانيا ومنطقة أوراسيا عموما. هذا الامر اضعف المنظمة الصهيونية بدعم من السي اي ايه عبر عملاءها المستقلين في اوروبا.

التدخل الروسي فتح البوابة لاحقا للتدخل التركي وخصوصا بعد عملية إسقاط الأتراك الطائرة الروسية (ظاهريا) لبداية عملية اخراج للصفقة بين الطرفين لاحقا فرضخت روسيا للتعاون العميق مع الأتراك اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وخصوصا بالساحة السورية أيضاً. فلقد مكن الروس من التعاون مع الأتراك في مجال الطاقة لاحداث نقلة نوعية على المدى الطويل للثورة الصناعية في تركيا كما احدثت صفقة اس ٤٠٠ الروسية جدلا كبيرا في أوساط الادارة الامريكية كما اصطفت تركيا مع روسيا في وجه الاتحاد الاوروبي وكونا معاً ضغطا كبيرا تجاهها خصوصا بعد احتلال الروس للقرم التركية داخل حدود أوكرانية الأوربية فهي عملية استرداد لارض تركية منسية من أوكرانيا. تركيا حاليا دخلت في الدول العشر الاقوى في العالم ولديها الجيش السابع الاقوى في العالم كذلك ودخولها عفرين في عملية اجتياح ناجحة خلال أسابيع عدة لمنطقة مشابهة تماما لاراضي صعدة اليمينية التي وقفت أمامها عدة جيوش لم تستطع التغول فيها بمساحات مقاربة لما فعلته القوات التركية في عفرين. دخل الأتراك في سجال ونقاش سينتهي بتسليم امريكا لمنطقة شرقي الفرات أيضاً في وقت تعد روسيا لإنهاء تواجدها داخل سوريا عبر مصالحة شاملة صورية بين الفرقاء السوريين بضغط مباشر من الأتراك الذين يعملون على دمج الفصائل وترويض الغير معاونين مع المخطط الروسي. لان الأتراك يريدون ابعاد جميع القوى الخارجية من سوريا اولا ثم يبدأ التحرك العسكري على الارض بتفويض وقبول من دول العالم وانتهاء الااتفاقيات المقيدة لها. كل هذا لم يكن من فراغ ولكنه ثمرة التعاون التركي الروسي في عدة مجالات منها تهديد ترامب شخصيا بملفات عدة منها التورط بالاستعانة بالروس للتأثير على الانتخابات الامريكية عام ٢٠١٥.

اذا روسيا وتركيا دخلا مع بعض الأحلاف من داخل الاتحاد الاوروبي من الأوليغارشية الأوروبية من جهة ومع ايران وقطر والكويت وعمان واخيراً باكستان من الجهة الشرق أوسطية. اذا هاتين الدولتين قفزتا على الموجة المضادة للحملة الصهيونية رغم صدامهما في بادئ الامر امام النظام السوري المجتمع الدولي فروسيا تريد مبرر امام هذه الدول لكي لا تخسر مصداقيتها أمامهم وامام تعهداتها السابقة للنظام الايراني والسوري.

اسرائيل والجوكر

لعبت اسرائيل ورقة الجوكر في هذه المقامرة او البوكر السياسي، بحيث انها تكون اليد الضاربة لكل الأطراف في هذه اللعبة بحيث انها تضرب وتكسب فهي تتفق مع الجميع انها ستوجه الضربات لكل طرف ضد الاخر دون ان تتلقى تبعات ذلك، فمثلا ضربت طائراتها مخزن الأسلحة في بغداد وضربت مراكز الحشد في سوريا والعراق وضربت مقرات حزب الله اللبناني لحساب السعودية فتوجهت ايران عبر اسرائيل بأسلحتها الدقيقة جدا لتعطيل تصدير نصف النفط السعودي في ضربات لا تستطيع ايران ان تفعلها. ولأجل ذلك لم يعلن الامير السعودي الحرب الشاملة على ايران ليس خوفا من ايران ابدا ولكنه مقيد بشروط الجوكر الاسرائيلي منظم المقامرة الدولية، فلأجل ذلك توجه لضرب قواعد للحشد في سوريا والعراق فقط بعيد ضربة المضخة النفطية السعودية في مدينة بقيق النقطية.

وهذا سبب عدم اعلان حزب الله الحرب على اسرائيل لان اسرائيل تحولت الى قفاز لمن يدفع او يطلب فهي تحاول ان تدير العملية العسكرية في الشرق الاوسط بانضباط دون انسياق المنطقة الى دمار شامل او مواجهة شاملة لا احد يسعى اليها. فتستطيع ان نقول ان المستفيد الأكبر من هذه المقامرة او البوكر السياسي في الشرق الاوسط هي اسرائيل حتى هذه اللحظة وقد يكون هناك مستفيد اخر في الخليج وتركيا اذا ما أغرقت السعودية وإيران في اي مواجهة مستقبلاً.

ولكن اسرائيل كابنة للمنظمة الصهيونية لم ترهن الدولة بالكامل في المخطط الصهيوني مع ترامب ومبس و ومبز والسيسي ونتنياهو ولكن وضعت هذا المخطط باسم القادة فاذا سقط المخطط سقطت القيادات ولم تسقط الدولة. فلقد وضع المخطط مصفف كأحجار الدومينو فاذا سقط ترامب سقطت بقية الأحجار فلأجل استحدثت سيناريوهات لنهاية كل قائد في هذه الجولة للمشروع الصهيوني.

امريكا ودولة اسرائيل الكبرى

فكما فعلت الصهيونية بالتلاعب بهتلر فلقد دعموه بالتكنولوجيا والتسليح وصنعوا منه غولاً ولحظة انقلاب الولايات المتحدة عليه استيقن طعنة المنظمة الصهيونية له فانتقم من اليهود شر انتقام ومثل فيهم ايما تمثيل، فاستغلت المنظمة الصهيونية هذا الامر لكي يخرجوا ما تبقى من اليهود الى ارض الميعاد وفعلا بدأت المرحلة الاولى وهم يهود شرق اوروبا وروسيا الى فلسطين. ومع تدمير سوريا والموصل وحلب وتمهيد بيع شمال غربي الجزيرة العربية ( نيوم، ساحل البحر الأحمر، والمدينة المنورة وخيبر ) الى المستثمرين اليهود، أصبحت إمكانية بناء اسرائيل الكبرى اكثر سهولة وكل ما يتبقى هو تهجير بقية اليهود ورؤس الاموال اليهودية من امركيا وأوروبا كمرحلة لاحقة. وهو ما يقوده حاليا المتطرفون البيض والعنصريون الأوروبيون والأمريكان لاثارة الرعب عند اليهود في هذه الدول ليتم تهجيرها الى اسرائيل او نيوم وإسرائيل الكبرى بعد اعادة إعمار سوريا والعراق. وهذا الامر تعتبره الدولة العميقة في امركيا وبريطانيا مصيبة وستعصف بمستقبل امركيا وأوروبا بالكامل وستعيدها الى العصور المتخلفة. ولأجل ذلك يحذر ترامب اذا ما عزل او لم يجدد له في الانتخابات القادمة بحدوث حرب أهلية وهذا هو الهدف الصهيوني لبناء اسرائيل الكبرى عبر اثارة الاٍرهاب الابيض العنصري تجاه اليهود والمسلمين وغيرهم واشاعة والنظرة القاتمة للمستثمر الامريكي اليهودي لكي يتخذ قراره بالرحيل الى الدولة الحلم دولة اسرائيل اليهودية في منطقة ما بين النيل والفرات بعد تطويرها وإعادة بناءها وتهجير العرب منها تدريجيا. فالمرحلة الاولى تكون بتدمير هذه المناطق وتعمير مناطق التهجير على ضفاف الفرات مثل الموصل والفلوجة والرقة.

فلأجل ذلك وقفت الدولة العميقة في امريكا امام هذا المشروع جنبا الى جنب مع كثير من الأطراف المخالفة لاتجاهات امركيا ومعتقداتها بشكل لايصدق عادة. حيث اصطفت في الاتجاه المعاكس ضد مشروع اسرائيل الكبرى لكي تنقذ مستقبل الولايات المتحدة ومستقبل عدم تقسيم الولايات المتحدة وعدم هروب رؤس الاموال الامريكية الى منطقة اخرى. فهي مضطرة ان نقف مع روسيا وإيران وتركيا في هذا المشروع في الشرق الاوسط الذي اخذت المبادرة فيه تركيا وأخذت الضوء الاخر من روسيا وإيران وأمريكا كذلك ولكي تبدأ الدولة التركية مشروع الإمبراطورية من جديد ولأول مرة ستصطف الدولة العميقة والإدارة الديموقراطية القادمة في البيت الابيض مع القضية الفلسطينية.

سايكسبيكو ولوزان

انتهت اتفاقية سايكسبيكو عام ٢٠١٦ وهذا سبب تغول ايران في المنطقة وصمت الدول الغربية عليها وصمت الامم المتحدة كذلك وستنتهي اتفاقية لوزان الخاصة بتركيا عام ٢٠٢٣ او باستطاعتها ان نقول انها انتهت تقريب بسبب التغول القبرصي واليوناني في والأمريكي ودوّل الخليج في المناطق المحاذية لتركيا عبر دعم الدولة الكردية ودعم القبارصة اليونان للتنقيب في منطقة متنازع عليها مع القبارصة الأتراك وكذلك الدخول مع اليونانين في مناورات عسكرية تذكر بغزو اليونان لازمير الذي صنع انشقاق اتاتورك ضد الدولة العثمانية كإيحاء يبحث عن متلقي من داخل الجيش. كل ذلك كان محاولات لردع تركيا داخل حدودها لان الاتفاقيات تحق لها ان تستعيد ما اخذ منها وما منعت عنه وما اجبرت عليه.

ومع انهيار سوريا والعراق سيحق لتركيا التقدم اقتصاديا وسياسيا وربما عسكريا ولديها القدرة الفائقة لذلك وهي ماضية في هذا الطريق بخطى ثابته ودون تردد. لقد تجرعت تركيا الإهانات والطعنات والصدمات من اليوم الاول لانهيار الدولة العثمانية وفرضت عليها ابعاد الاسلام ومحاربة اللغة العربية وتغريب المجتمع التركي ولكن الله ابا الا ان يعز دينه ويعلي كلمته وعاد الشعب التركي الحر الابي الى الاسلام اشد من بقية الامم واكثر اقبالا واكثر تعلقا بالله في وقت نتنفض اخر معاقل الاسلام على دين الله وسنة نبيه وتحريف في معاني القران واهداف السنة للاسف. فلأجل ذلك تخطو تركيا في هذه المقامرة لإعادة مستقبلها ومجدها بأساليب ناعمة وبعيدة المدى.

ايران وروسيا واللغاء سايكسبيكو

كانت المنطقة في نظر القوى العظمى مع نهاية سايكسبيكو في حاجة ماسة الى اعادة المنطقة الى سابق عهدها لإدخالها في ساحة المزاد الدولي، فمعنى سقوط سايكسبيكو اي انتهاء الوصاية الدولية على المنطقة فكان لابد من اعادة كتابة اتفاقية جديدة وهنا نجد ايران تدخل العراق لان ايران ايضا من ضمن المعادلة والتبعية للدول المستعمرة. فكان لابد من وجود شعلة تشعل النار في اتفاقية سايكسبيكو لكي نبدأ المرحلة القادمة وهنا دور المقامرة الدولية ومع من تصطف أدواتها ومن يحتفظ بحجر بالجوكر.

بعد ان دخلت ايران العراق وسوريا واحتلت ميليشا حزب الله لبنان وجماعة الحوثي اليمن، ونجحت جماعة الاخوان الموالية لايران بالنجاح في انتخابات كل من تونس والمغرب ومصر وليبيا بعد ثورات الربيع العربي، أصبحت الدول المستعمرة امام حيرة من امرها حيث كانت سرعة وجاهزية الإيرانيين ملفته ودخول الروس على المنطقة أيضاً اثارت حفيظتها ولخبطت الاوراق. وكان الوضع في العراق واليمن قد اخذ مسار متناميا بالنسبة لايران ولكن الجميع كان حاضرا في سوريا. حيث ان هناك جيش جاهز العدة والعتاد انقسم على نفسه وكان الاسد على شفا حفرة من السقوط ولكي تبقى سوريا من ضمن المقامرة دخلت روسيا الوصية على النظام على الخط لتوقف مزاد الشرق الاوسط من دون ان يحسب لها حساب وخصوصا بعد سحب ليبيا من تحت بساطها. فالروس لهم حسابات معقدة مع الأوروبيين خصوصا ما بعد ٢٠٠٨، تاريخ الازمة المالية التي في حقيقتها هروب أموال ضخمة من الولايات المتحدة الى روسيا.

تعود هذه التداعيات الى ضربة ١١/٩ وعلاقة المنظمة الصهيونية العالمية بها عبر توظيفها تنظيم القاعدة، فلقد علم المجمع المالي انه هو المستهدفة من قبل طرف في المجمع  الصناعي بقيادة المنظمة الصهيونية المنشقة عنه اخيرا. فالتنظيم الصهيوني أراد استغلال النزاع بين المنظمتين لمصالحه الخاصة قبل ان ينقلب عليهما جميعا، فكان استدراج الولايات المتحدة الى كل من أفغانستان ثم العراق لبداية بناء شرق اوسط كبير او إسقاط الانظمة وإعادة تشكيل الشرق الاوسط تمهيدا لبناء اسرائيل الكبرى. وهو ما استطاعت اخيرا إقناع دول الشرق الاوسط به والعمل على بناءه على حساب شعوبهم بدلا من مشروعي بوش الشرق الاوسط الكبير والمعتمد على انطلاق الجيش الامريكي من العراق الى بقية الشرق الاوسط من خلال الفوضى الخلاقة كما في سوريا واليمن الان، وبدلا أيضاً من مخطط بايدن المعتمد على دعم استقلالية المناطق المتنازعة وتقسيم المقسم وتفتيت المفتت تمهيدا لبناء فدرالية اتحادية لاحقة. حيث تصدرت الامارات المشهد وقالت نحن نقوم بالمهمة بدأ باليمن والدولة الكردية ودعم مصر الإقليمية الضاربة في ليبيا وسوريا وغزو قطر والكويت. فقررت الامارات والسعودية الداعمتين لضربة ١١/٩ مع مصر مع المنظمة الصهيونية إكمال الخطط الشرق اوسطي عبر القفز الى تصفية القضية الفلسطينية بطريقة مفزعة جدا جعلت حلفاء الامس خصوم اليوم. فلقد تموقعت منظمة فتح والأردن مع التحالف المضاد للمخطط الصهيوني في صف تركيا وروسيا وإيران او لنَقُل انهم راهنوا على انتصار التحالف التركي الذي تسيد المشهد في المنطقة حاليا وأصبح او سيكون هو اللاعب الاقوى في القادم من الايام.

القدس وصفقة القرن

بما ان صفقة بيع القدس كانت ستكون مصيبة حقيقية للاقتصاد الامريكي ولا احد يعلم ماذا سيفعل الصهاينة من اعمال ارهابية شبيهة بعملية ١١/٩ التي كانت عملية صهيونية بامتياز ضربت خصومها في المجمع المالي والدولة العميقة ( السي آي ايه والبنتاجون ) من جهة وجيشت العالم لضرب وغزو العراق وتفتيت الشرق الاوسط او اعادة تشكيله لكي يتسنى لها بناء اسرائيل الكبرى. ثم اسرع ترامب لإنجاز صفقة القرن وبيع القدس وتهجير الفلسطينين كمرحلة أولى الى سيناء والأردن ثم بعد مسح مدن باكملها مثل حلب والرقة والفلوجة لكي يتم اعادة بناءها بشكل متطور يستطيع جذب السوريين والأردنيين والفلسطينين فيما بعد ليتم شراءها لاحقا بفعل الضغوط المالية والاقتصادية التي ستعصر الشعوب والدول.

ولكن موقف الاْردن والسلطة الفلسطينية المشرف أوقف هذا المخطط بالكامل وأصبح المطلوب الان بناء صفقة جديدة تكون مقبولة من الطرفين الاسرائيلي ( الصهاينة والعرب في الداخل ) والفلسطيني ( فتح وحماس ). فكيف يستطيع الطرفان الوصول الى صفقة ناجحة يقبلها الطرفان من دون المقامرة السياسية. وهنا الصفقة القادمة ستكون عدة مراهنات وتحالفات دولية متقاطعة تصب الحلول النهائية لهذه المسألة المعقدة جدا والتي طالت لعدة عقود ويجب ان تصل الى نهاية مقبولة من الجميع وهو ما سوف نتداوله في مقالات لاحقة باْذن الله تعالى.

الخليج وتحالف ترامب

يبحث مصمم هذه المقامرة الى تلاقي جميع صفقات النزاعات المقترحة من نزاع دول الخليج ونزاع العرب وإيران ونزاع الروس وأوروبا ونزاع القوى داخل الولايات المتحدة مع المنظمة الصهيونية، في ساحة واحدة وصفقة متعددة الأطراف. بحيث يبحث زعماء دول الخليج الى توحيد الصفوف تحت قيادة واحدة وهو ما طلبه ترامب من دول الخليج اذا ما اردوا إبرام اتفاق امني لمحاربة ايران. وهذا السبب في تردد الادارة الامريكية بالتمويه والتعريض حول النقارب مع ايران من عدمه. بحيث تحاول الادارة الامريكية الضغط على كل من الدول الخليجية نبذ خلافاتها جانبا والاتحاد في دولة واحدة وإدارة واحدة لعمل اتفاق امني مشترك. اي انه كان المطلوب لضرب ايران تكوين اتحاد خليجي وتكوين ادارة خليجية واحدة وبناء اتفاق أمنية مشترك كما طلبته كلنتون منهم عام ٢٠١١ في المنامة وقوبل بالرفض آن ذاك. فكان لابد لعمل خطة عمل لا تستغني عن التضحيات لعدم الوصول الى هذه المرحلة وهي الاتحاد الخليجي بالشكل الواقع.

وهنا لابد من الحديث عن الازمة الخليجية المفتعلة مع قطر، انها في الأساس التفاف على هذا الطلب الامريكي وبدلا من ان يكون اتحاداً من ستة دول لا مانع من تقليص العدد الى دولتين او ثلاث بحيث تبتلع الامارات جزء من قطر وعمان واليمن او حضرموت وعدن بعد تراجع التوقعات. حيث اعتقدت القيادات في الرياض وابوظبي انها اذا سلمت اموالها واحتياطاتها الى الولايات المتحدة ( خمسمئة مليار دولار من الصندوق السيادي الإماراتي لشراء سندات وتحويل الصندوق السيادي السعودي المقدر ب ٤٥٠ مليار دولار  للاستثمار في السوق الامريكي ) انها ستأخذ تنازلات بخصوص احتلال كل من قطر والكويت وربما بعض اجزاء عمان او التغلغل في أمنها والتعدي على سيادتها وإضعافها لتحييدها عن بعض القرارات السيادية، وانها بهذا سوف تصنع تحالف قوي لها ويستطيعون بالتالي تعويض ما سيخسرونه من هذا الاحتلال خصوصا في المناطق المتنازع عليها مثل البريمي والشيبة والزبارة ومنطقة الوفرة كذلك والمناطق النفطية المجاورة مع نجران على حدود اليمن. ولكن استطاعت قطر كشف المخطط وذهب الامير تميم وقطع الطريق على هذه المخطط في زيارته الاخيرة للبيت الابيض وكذلك ذهب الشيخ صباح الى ابعد من ذلك وادخل الصين في استثمار ضخم جدا مع الكويت في ضربة لامريكا والمنظمة الصهيونية وأخرجت الكويت من المظلة الغربية في صفعة مشابهة لدخول القوات الروسية والتركية فيما بعد لسوريا.

المقامرة مستمرة

اصبح امام الجميع الان خيار واحد بعد فشل صفقة القرن التي كانت فصولها وتفاصيلها الركيكة، الا وهو الاستمرار في المراهنة او المقامرة السياسية وانتقالها من ان تكون خاصة بالشرق الاوسط الى ان تكون عالمية شاملة لكل الأزمات مثل ازمة كشمير وازمة أوراسيا وازمة فنزويلا وأمريكا الوسطى كما يريد ترامب تصفيتها في نفس المدة التي يريد ان يقضيها في الرئاسة.

والسبب لتأكيد هذا الاحتمال ان الصدامات في كل الزوايا الدولية أصبحت محتومة ومدمرة وانه بدون هذه المقامرة السياسية فان حرباً عالمية تلوح بالأفق وان المخارج من هذه الصدامات غير متوفرة. وان اي حرباً عالمية ستطال الولايات المتحدة وأوروبا ولن تكون نتائجها باقل من اوروبا في الحرب العالمية الثانية بل اكثر من ذلك. فان البديل لمصيبة صفقة القرن المدمرة هي صفقة شاملة تكون امركيا والقدس وإيران وروسيا والخليج كلهم في حلبة واحدة بحيث المنتصر يغنم كل النتائج هو وحلفائه.

فهل نجد مشروع جديد مع بايدن الرئيس الامريكي القادم يشمل قيادات جديدة وتحالفات مختلفة وإدارة لهذا المناورة المقامرة السياسية العالمية في المنطقة الاكثر حساسية وهل نجد اسرائيل هي صانعة القرار وضامنة الأطراف كما هو الان؟ كيف ستكون هذه الصفقة السياسية وكيف ستوضع حلول الخليج والداخل السعودي واوراسيا والداخل الامريكي وكشمير وسوريا والعراق؟ هذا ما سيكون في المقالة القادمة باْذن الله وشكرا لكم على التفضل بقراءة هذه المقالة الاولى لي في هذا الصرح الراقي والمميز بهذه النخبة من الأعضاء.

هذا واصلي وأسلم تلى سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجميعين

ماجد بن فهد الهزاع السبيعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق