الرئيسيةدراساتسياسةمقالات

المقامرة السياسيه وصفقات التحالف المتقاطعة في الشرق الأوسط ج 2

تقوم المقامرة على طقوس وتقاليد مخابراتية متعارف عليها، عمادها توافق الأطراف مجتمعة بحيث يكون هناك أداة لصناعة عملية التغيير يتحجج بها طرف على آخر. هنا يجب على هؤلاء القادة المخابرتية إعطاء الثقة لهذه الأداة التي سيستخدمها الجميع في عملية المقامرة، بحيث تتسم بمميزات تحمُّل وذكاء وأمور فوق العادة. ترسم خططا وألاعيب مخابراتية يكون الاعتماد فيها على نتائج ردات فعل هذه الأداة. يتطلب عادة صناعة ضغوط غير مسبوقة قد لا يتحملها أي فرد عادي وكل ما أثبت قدرة على التحمل والإنتاج الفكري الذي يعتقد أنه مرتبط بهذه القرارات عادة، فإنها ترتفع قيمة هذه الأداة أكثر فأكثر، ويكون ورقياً مقبول من جميع الأطراف على صناعة المراهنة.

فكما أن هناك موزع أوراق على طاولة البوكر يكون الربح دائما من جميع الأطراف. صنعت بعض الأطراف نفس الدور فهنا روسيا تريد أن تمسك العصا في سوريا من المنتصف بين النظام والأكراد والمعارضة وهنا إسرائيل تريد أن تكون العصا الذي يضرب كل طرف دون أن توجه له اللكمات وكذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فإن ترامب لا يبدو أنه حزبي بل هو اوليغارشية مغروس في الحزب الجمهوري، استطاع ان يخطف تأييد الحزب ويهمش قيادته التاريخية ويصنع ظاهرة غير مسبوقة، فهو مكبل بالديون والفضائح كأدوات تمهد لدخوله عالم المقامرة. حيث صنعت هذه العراقيل ووضعت المحفزات ثم يترك للمخطط الزمني المتفق عليه بين الأطراف المتنازعة والأداة صانعة الحدث صاحبة الكاريزما المتفق عليها من جميع الأطراف.

حيث يوضع ترامب على الجدول الزمني المزود إحداثيات معلوماتية خاصة متقاطعة مع محاور أخرى مثل المحور الروسي والمحور الشرق أوسطي وربما محاور أخرى عالمية أو محلية مثل الداخل السعودي وصعود جناح بن سلمان مقابل أفول جناح بن نايف بطريقة دراماتيكية. كل ذلك كان عبر سياسة المقامرة للمحاور حيث أتيحت فرصة المحور ألأمريكي عبر ترامب الطارئ المقامر المتأزم ماليا والمتورط بقضايا فساد، الذي كون مع آخرين تحالفا يولد مع وجوده في وقت واحد تقريبا، حيث شهدت تلك الأعوام صعود عدة قادة في نفس العام تقريبا، فتصدر المشهد في السعودية وأمريكا وفرنسا قادة أتوا على حين غفلة من العالم لم يكونوا مرشحين ولم يكن أحد يتوقع وصولهم أبدا. إنهم أتوا عبر مقامرة المنظمة الصهيونية العالمية لمواجهة خصومها في أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط وآسيا.

هنا تحتاج هذه المقامرة إلى بعض الأدوات لكي يستطيع الجميع المراهنة بضمان عدم الغبن، وفي هذه الحالة الجميع بحاجة إلى قربان كما هو الحال مع الصحفي جمال خاشقجي، حيث صممت هذه الجريمة لكي تكون بشعة مدمرة للطرفين التركي و السعودي، فكان الهدف منها إفزاع المستثمرين السعوديين (استثمارات بقرابة ١٠٠ مليار دولار في تركيا) ليعيدوا هذه الأموال إلى السعودية في رؤية ٢٠٣٠ التي أسس لها محمد بن سلمان سواء في نيوم أو تخصيص شركة أرامكو، وفي حالة انقلاب اللعبة على الطرف المنفذ فإنها تظهر الوجه البشع للقيادة السعودية بحيث تنقلب هذه الجريمة على الخطة الاستثمارية رأسا على عقب بل وتزعزع مكانة بن سلمان السياسة وهو ما حدث في مؤتمر العشرين الكبار.

لقد تم تصوير هذه العملية من خلال جهاز محمول لعضو في الموساد قدم من بريطانيا خصيصا وسلم المادة إلى المخابرات التركية. السؤال هنا كيف ولماذا سلم هذه المادة إلى الطرف التركي، هنا لعبة المقامرة التي كان دورها دعم تركيا في هذا الانعطاف المفاجئ. فظن سعود القحطاني، الشخص الذي استلم إدارة الاتصال مع قناة الاتصال لإدارة هذه المقامرة من خالد التويجري المسؤول السابق لقناة الاتصال مع المنظمة الدولية، فتمكن من الأمر وأصبحت اللعبة في يده، ولكن يبدو أنها خدعته هذه اللعبة أو أنه أصابه الغرور وتملكته نشوة النصر مبكرا وأمن تقلباتها فانقلبت عليه.

الأمر كذلك يتعلق في سوريا وكيف تم خلق دولة كردية تهدف إلى تدمير وتفكيك ثلاث دول هي تركيا وإيران والعراق، بحيث تشعل الأقلية الكردية النار في هذه الدول بشكل متواتر تنتقل إلى سوريا والعراق، تتقاطع كل هذه الأحداث مع كل دولة بما يتعلق بها مثل روسيا ودول شرق أوروبا أو تركة الاتحاد السوفييتي السابق، أو مع السعودية أو أي جناح يحكم أو أي قبيلة تتحكم داخليا ومع زعامة دول الخليج والصراع مع إيران هكذا.

ترامب وما دوره في المقامرة الدولية الكبرى

الحقيقة يبدو أن ترامب من الوهلة الأولى اصطف إلى جانب الجناح الصهيوني وقد أجاد الدور بإتقان، ولكنه ليس كذلك بل هو صانع فرص أو كما في البوكر موزع الأوراق والأدوار. نعم في الحقيقة هو مؤدٍ وليس مراهن ويساق الأمر كذلك على محمد بن زايد الزعيم الماسوني الأول في الشرق الأوسط. فكلا الاثنين يقومان بشكل حثيث ومتقن على صناعة الشرق الأوسط، فقد قادا السعودية (المستهدف الأول) لإعادة رسم الشرق الأوسط وأعادا هيكلة داعش كذلك لتأسيس إزالة الحدود في الشرق الأوسط مثل ما حدث في سوريا والعراق.

إعداد السيناريو وتقنيات المضاربة

كتب هذا السيناريو المعقد وتم تهيئة المعطيات قبل تسع سنوات تقريبا، قبيل ثورات الربيع العربي وهو عبارة عن جدول زمني مترابط على كافة الصعد، يتم إضافة مراهنين لاحقا أو صفقات شبيهة بصفقة القرن الجديدة. وذلك بعد أن وجدت إدارة أوباما أداة المراهنة المثلى، بحيث توضع لها المكائد وتكون قادرة على تجاوزها عبر عمق التحليلات وقراءة الواقع السياسي، فتمنع التواصل المباشر مع هذه الأداة. تمت محاصرة هذه الشخصية معلوماتيا إلا من بعض التلميحات غير المباشرة أو كما يقال وضع النقاط على الحروف لكي تتضح الصورة سواء كان ذلك عندما كانت هذه الشخصية في الشرق الأوسط أو أوروبا أو أمريكا، فلقد حاولت الأدوات المخابرتية دوما وضع الإطار للعبة على مقاسها كما فعلت دول أخرى سواء في أوروبا أو تركيا أو الخليج. الجميع يرغب باستقطاب هذه الشخصية بشكل حثيث ولكن كان القدر بأنها أصبحت في أحضان الولايات المتحدة بالتواصل مع المخابرات الأردنية أخيرا. حيث يتم شرح الوضع السياسي للصفقة القادمة مثل صفقة القرن ويتم تحفيز هذه الشخصية بهدف معين حتى يتم اختباره من أجهزة محايدة بهدف تحديد توجهه بالنسبة لقضية صفقة القرن أو الشرق الأوسط الجديد.

تم اختيار هذه الشخصية قبل ذلك وطرحت آراؤه الجدلية ما رجح كل الأطراف لقبول طرحه أو محاولة تصحيحها، وكانت هذه الشخصية متقلبة فيوم تبدي تأييدها لهذا الطرف ولكنها في اليوم التالي تنقلب عليه، وقد تضع الجميع في موقف معقد إذا ما وافق أحد الأطراف على ذلك. من مزايا هذه الشخصية الجدلية أنها قارئة للواقع بشكل ملفت واستطاعت أن تصل إلى أصحاب القرار العميق في العالم عبر اقتحامها أجهزة المخابرات العالمية وعبر أحد أجنحتها ما سهل لبقية الأطراف التعرف عليها. وبالضبط استطاعت هذه الشخصية اقتحام الجناح الصهيوني أول الأمر وراهن عليها سعود القحطاني المتحالف مع هذا الجناح آن ذاك. وهو كان السبب الرئيسي لصعود بن سلمان قبل أن يكشر الأخير عن خباثة أنيابه ومعاداته لتوجهات هذه الشخصية وانقلابه على تعهدات القحطاني له. فقبل وصول بن سلمان كان سعود القحطاني يرسل الرسائل التطمينية لهذه الشخصية لكي يضمن وصول أميره لولاية العهد. وما أن وصل للحكم حتى نكص سعود بوعوده بل وأرسل تهديداته لهذه الشخصية ما أثار حفيظة هذه الشخصية وعزمها على اقتلاع بن سلمان من منصبه. فأتته دعوة من الولايات المتحدة للانتقال إليها بهدف أن يكون محرك مخطط بعض القوى داخل الولايات المتحدة المتصارعة وانعكاساتها على الشرق الأوسط كذلك. وبالفعل مع ذهابه إلى الولايات المتحدة وكان تحت عناية السي اي ايه وبالتواصل مع أطراف من المخابرات الأردنية. حيث أرادت الأطراف الفلسطينية والأردنية تعويم مسألة صفقة القرن على هذه المقامرة السياسية بهدف إنقاذ حقوق الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية.

كما أرادت الدولة العميقة في الولايات المتحدة التصدي لمخطط الصهاينة التقسيمي للولايات المتحدة لحساب اسرائيل الكبرى. فصعود ترامب على قوة دعم عرقية إقصائية للعرق الأبيض على حساب العرق اللاتيني والأفارقة وغيرهم إنما هو تأجيج على كل من ليس أبيض أوروبي وهنا نتكلم عن عدة أهداف أهمها اليهود. لان من يحرك المال والمستثمر الأول في الولايات المتحدة هم اليهود. فاليهود هم في الحقيقة يفكرون بعقلية المدراء للصناديق الاستثمارية وفي حال كساد السوق سيبحثون عن سوق أفضل بكل تأكيد وهذا ما يحاول الصهاينة ان يستثمرونه بإتقان.

يعيدنا هذا الموضوع إلى فتح ملف ١١/٩ وقناعة السي آي إيه بتورط المنظمة الصهيونية مباشرة بالجريمة، وتواتر الشهود والأدلة من داخل السي آي إيه على ذلك إلا أن المنظمة كانت قوية إعلاميا ونفوذا واستطاعت أن تستوعب الحدث. هذه الجريمة بدأت حاضرة في الولايات المتحدة بصمت مع بوادر اصطفاف على ضفتي المقامرة السياسية، ولأول مرة تصطف الدولة العميقة مع القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني بالقدس. هذا كله جرى من خلال تفاهمات غير معلنة ولكنها ستجد النور في القادم من الأيام.

السيناريو المتوقع للشرق الأوسط

سيكون هناك اكتساح كامل للأتراك في كافة المجالات في سوريا والعراق وستدعم الاقتصادات والمجتمعات وتبني البنى التحتية بعد انحسار الأعمال المسلحة. أما في الخليج فسوف توقع الدول الخليجية اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة بهدف ضرب إيران. ولن تكون ضربة لإسقاط النظام ولكن لتحرير منطقة الأحواز العربية بعد عقد اتفاقات مع بريطانيا بهذا الشأن. بريطانيا الوكيل الاستعماري لهذه الدول في مجلس الأمن وهي حاليا ترزح في أزمة الخروج من الهيمنة الأوروبية، وتحتاج لذلك بيع بعض أصولها في العالم مثل حقوقها الاستعمارية في منطقة الخليج. وهذا ما يسوقه ترامب لبريطانيا للخروج الآمن من الاتحاد الأوروبي والذي سيتم تمويله من جهات شرق أوسطية لما بعد تداعيات الحرب على إيران. سبب استهداف ترامب والملكة إليزابيث للاتحاد الأوروبي هو الخلاف العميق من التجمعين الصناعي والذي يمثله الاتحاد الأوروبي، والمالي (الأوليغارشية) والذي تقوده بريطانيا وهولندا أو العائلة الأندلسية الحاكمة في أوروبا والتي تنتسب إليها هاتين العائلتين. في حالة انسحاب بريطانيا بدعم مالي وتقني من دولة خليجية وتركيا بقيمة مئة مليار دولار تكاليف الخروج الآمن من الاتحاد الأوروبي، فإنها ستنهار اللحمة وتتداعى الوحدة الأوربية وستتفتت الدولة الألمانية إلى عدة دويلات تقودها بافاريا، والغابة السوداء تقودها عائلات يهودية تحمل الجنسية الإسرائيلية، وكذلك إيطاليا وأسبانيا وفرنسا. المستفيد من ذلك ستكون المملكة الهولندية التي قد تتمدد على حساب الدولتين الكبيرتين، بالتزامن مع هذا ستنسحب تركيا من الناتو وهذا كان سبب ردة الفعل القاسية من الاتحاد الأوروبي عندما تحركت الأسبوع الماضي في الشمال السوري بصمت وتوافق روسي أمريكي.

المستفيد الأكبر في حال انسحاب تركيا من الناتو هي روسيا، والتي تعتبر الدولة الأكبر بعد الولايات المتحدة في الناتو، والانسحاب يعتبر ضوء اخضر لروسيا وخدمة لها لاستعادة ما فقدته من تركة الاتحاد السوفييتي من دول شرق أوروبا.

إذا هناك تحالف خليجي تركي هولندي استطاع استمالة الملكة البريطانية وتوافقوا على إيصال ترامب لسدة الحكم لتنفيذ هذا للمخطط قبل عدة أعوام. بينما سيكون في الخليج عمل دراماتيكي بعيد توقيعها مع الإدارة الأمريكية الاتفاقية الأمنية الشاملة حيث ستتواجد هذه القوات في المنطقة الشرقية من السعودية ثم ستعمل الإدارة الأمريكية على تأسيس مقامرة جديدة بين هذه الدويلات والأجنحة المتصارعة في كل دولة عبر خلق كيان جديد في الخليج يحدد القيادة القادمة له، وهو المطلب الأول لترامب إذا ما أرادت هذه الدول ضرب الكيان الإيراني.

وهنا نستطيع ان نقول جازمين أن الوضع في الخليج سيكون أقرب إلى اتحاد فيدرالي قابل للتمدد وسيكون في العراق دولة وفي الشام دولة ومصر دولة أقرب أن تدخل مع الجزيرة العربية لاحقا في اتحاد كونفدرالي. بحيث ستدخل دويلات قطر والكويت والبحرين والإمارات وعُمان كجزء من المنطقة الشرقية في اتحاد فيدرالي لتدخل مع نجد والحجاز واليمن في اتحاد كونفدرالي ويفتح الباب لقبول الدول الفيدرالية الأخرى وهي العراق والشام ومصر. ستكون هناك علاقات وثيقة مع تركيا كدولة صاحبة وزن دولي وصناعي واقتصادي ومركز استثماري عالمي في المستقبل.

الخاتمة

هنا يجب أن نواكب هذا المخطط كشعوب لنا تراث وفكر وتاريخ، ولنا مستند وثيق من القرآن والسنة النبوية المطهرة، حيث يجب أن نفكر بعمق ورؤية ثاقبة، وأن نضع بصمتنا كأمة محورية وأن نضع في حسبان صناع القرار الدوليين واللاعبين الكبار في المقامرة الدولية أننا ركن أساسي في أي قرار دولي قادم. فهل يعقل أن تكون الأمة أمتنا والأرض أرضنا وأموال مشاريع الشرق الأوسط تصنع من أموالنا وبدماء أبنائنا، دون أن يكون لنا رأي أو قرار في كل ما يحدث، إنها إذا لقسمة ضيزا!!

هنا يتوجب على الشعوب العربية والكردية والتركية والفارسية والأمازيغية في تلك البقعة التي وحدها الإسلام كأمة واحدة وبنى فيها اللغة والدين والمجتمع المتداخل الذي لا مثيل له على مر التاريخ، أن يجلس مفكروها ويدعون إلى عودتها وبنائها من جديد ليضعوا خطة الطريق من كل الجوانب ويعيدوا هيكلتها بدءًا من المجتمعات والبنى الهيكلية، وأن يضعوا التصورات الاقتصادية والسياسية لمستقبل لها. فلا يمكن رسم خطة طريق لأمة عظيمة أبدا دون مفكريها وعلمائها وفلاسفتها.

ان ما يحدث للامة بكل بساطة هو الفوضى الخلاقة أي الهدم الذي يقود إلى تشكيل الشرق الأوسط وإصابة الأهداف المرجوة بلا مجهود وبأقل التكاليف، فكيف للأمة أن تقطف ثمار نهاية الحقبة دون أن تتكبد تبعاتها؟ وهذا ما سوف أسطره في المقال القادم بإذن الله.

ماجد بن فهد الهزاع السبيعي


المقامرة السياسيه وصفقات التحالف المتقاطعة في الشرق الأوسط ج 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق