جلف ليكس

المقامرة السياسية وصفقات التحالف المتقاطعة في الشرق الاوسط

مرحلة سقوط سايكس بيكو وبناء منظومة أخرى يجب أن لا تكون ضحيتها الشعوب، بل لابد أن يكونوا هم صنّاع القرار الرئيسيين فيها“.. ماجد بن فهد الهزاع السبيعي

منذ المقالة السابقة وحتى الآن، حدثت تطورات خطيرة جداً، وهي بداية سقوط أحجار الدومينو السياسي في صناعة اللعبة السياسية في أمريكا والشرق الأوسط، ألا وهي بداية المحاكمة البرلمانية لعزل ترامب، واتهامات بالفساد لبنيامين نتنياهو، أهم اقطاب الحلف العربي الصهيوني في مشروع الشرق الأوسط الجديد. وهنا نستطيع أن نناقش التنبؤات القادمة، واقتراح صناعة السلام الشامل بين الأمة كشعوب وبين دول المنطقة المتغولة في مصائر الشعوب، أي دخول الشعوب في المقامرة بشكل رسمي ومكشوف، واقتراح أن تكون ميكانيكية هذا التغيير عبر برامج التطوير المستدام برعاية الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي.

سيتم اختيار العراق كأكثر البلاد عرضة للدمار والتهجير والحروب، وليصنع بعد ذلك الأنموذج الذي سيخدم كل ما سبق انطلاقاً من هذه المرحلة، حيث سيصنع منه آلة إعمار وإعادة تأهيل وتوطين الشعوب المهجرة بشكل مستدام وبناء مستقبل الأجيال القادمة عبر بناء رؤية سيكولوجية اجتماعية ورؤية اقتصادية متواكبة مع رؤية الدولة الاستراتيجية من تحديد القطاعات المنتجة والصناعات المعتمدة عليها والصناعات الخدمية التابعة لها. ومن ثم يترك للشعب صناعة المقامرة لوحده وتحديد شركائه لوحده اعتمادا على أولئك الشركاء الذين دعموه على بناء مدنه وعودة شعبه من جديد. أي أننا ندخل الممول الأممي في مزاد بيع النفوذ والأسواق لتلك الدول المتصارعة على الشرق الأوسط. بحيث تضمن الشعوب مصالحها وأمنها وكيانها على حساب الدول التي خلقت من رحم سايكس بيكو.

ستقود هذه العملية إلى بناء مجتمعات اقتصادية مستقلة تتعامل مع بعضها البعض بحكم السوق، تساهم باقي المناطق والمجتمعات على توحيد الرؤى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتدخل القوى الدولية بالمساهمة بالقوى الناعمة والمفيدة للأطراف جميعها. وهذا ما سيتم نقاشه في هذه المقالة بإذن الله تعالى والله المستعان على ما يصفون وسلام على المرسلين والصلاة والسلام على سيدنا الحبيب المصطفى محمد بن عبدالله الهاشمي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

توقعات المرحلة القادمة تقود إلى أن سقوط ترامب القادم سواء في الانتخابات القادمة أو إعلان عزله برلمانياً يتواكب مع سقوط حلفائه في مشروعه المعتمد على صفقة القرن وحرب إيران واحتلال قطر وتقسيم اليمن وتقاسمه، وسقوط دولة نتنياهو ومقتل السيسي وتحول دول الخليج إلى اتحادٍ دستوري برلماني بعيد التحالف الخليجي مع الولايات المتحدة للإعداد لحرب ضد إيران، تحرير الأحواز العربية، انفصال دويلات الشعوب الإيرانية غير الفارسية، تعمق الأزمات المالية في كل دول المنطقة بسبب هذه الحروب، دخول البنك الدولي كعنصر أساسي في صناعة القرارات، (إلى هذه النقطة يجب أن تصنع الشعوب تاريخها، ويجب إيقاف باقي المخطط إن أردنا ذلك)، بقية التنبؤات تستمر كما هو مرسوم له عبر تكبيد الدول المحيطة بإسرائيل الديون والعجز المالي بسبب ربطها بالدولار وخصوصا لما سيحدث العام القادم من جراء الأزمة المالية الكبرى ٢٠٢٠، حيث أن احتمالية سقوط الدولار وسقوط اليورو أيضا والاسترليني جراء البريكست المحتمل العام القادم أيضاً سيفاقم من عجز الميزانيات المالية لدى دول الشرق الأوسط الضعيفة تقريبا، ما سيتسبب بمزيد من الأزمات خصوصا لتلك الدول التي تورطت في حروب في الشرق الاوسط رغم ميزانياتها واقتصادياتها القوية.

فحقيقة كل تلك المقامرة الدولية التي تمت إدارتها في دهاليز السياسة العالمية العميقة كانت مصممة للشرق الأوسط، إما لوقف البعض (المنظمة الصهيونية) أو تسويات مع البعض الآخر (روسيا وتركيا). حيث تم وقف مخطط تدمير المنطقة العربية لصالح طرف دولي يقصد منه تهجير مدن وقرى بأكملها وإسقاط أنظمة بكاملها للمساومة على بيعها تلك الأراضي لصالح هذه المنظمة الصهيونية كمستفيد أخير من هذا المخطط. وهذه فائدة المقامرة السياسية وصناعة الصفقات، ولكن هذه المرة لابد أن تكون بأمر هذه الشعوب وقرارها، حيث بالإمكان إعادة عقارب الساعة من جديد إلى ما قبل الوجود الصهيوني أو تسريع وتيرة هذا المخطط التوسعي لصالح المنظمة الصهيونية التي لم تخفِ مخططاتها أبداً.

فهذه المقامرة تعتمد على نظرية المؤامرة جزئيا بمزيد من التجرد وأكثر واقعية دون التقليل من خطورتها ولكن مع عدم الإسهاب في حالة التعجيز التي تصنع كثير من الوهن في العقل الباطن لدى الشعوب العربية، حيث أنها تعتمد على تحليل عميق ومعلومات واتصالات مع كل الأطراف، والسياسة الدولية الخفية هي سياسة مقامرة بامتياز تحكمها أنظمة وقوى دولية كانت المنظمة الصهيونية الركن الرئيس في إدارتها لتحقيق أهدافها بدءاً من إزالة القيادات الراديكالية أو تصفيتهم بشكل دراماتيكي، من الأمير سلطان بن عبدالعزيز والأمير نايف بن عبدالعزيز إلى عمر سليمان وزير المخابرات العامة المصري رحمة الله عليهم أجمعين. فنظرية المؤامرة حقيقة ولكنها غير مطلقة النفوذ كما تصور الأدوات الإعلامية التابعة لها عادة وأن لكل قوة جوانب ضعف وخصوم ليسوا أقل قوة ودهاء، وهو ما يقود إلى منظمة تسوية النزاعات التي اعتمدت المقامرة الدولية كشكل من أشكال التسويات المصيرية.

إذا هي حالة صدام قوى عالمية (التجمع المالي أو الأوليغارشية والتجمع الصناعي) يقوده تحالف ترامب بوتن الأوليغارشية ضد التجمع الصناعي المتمثل في الدولة العميقة في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا. وهنا كيف لنا كشعوب وقادة ثوريين في العالم المترامي أن نقتنص الفرصة ونركب الموجة ونصنع التاريخ دون صدام مع المنظمات سواء المتغولة بميليشياتها الطائفية أو المتربصة بجيوشها على حدود البلاد العربية أو بأنظمة تهيمن على سيادة الأمة بعملتها الخضراء القوية.

إن كل ما يتطلبه المشروع هو إنتاج الاستدامة الاقتصادية وبناء الخصخصة والتوازن المالي بشكل ذاتي ووقف ما يسمى الاقتصاد الريعي. أي تقليص حكومة المركز لصالح حكومات الإقليم تدريجيا مع استغلال حكومة الإقليم بتفعيل التحالفات بين قيادات القطاع الخاص والمستثمر الأجنبي، التي من شأنها دعم تطوير أنظمة المجالس المحلية الجديدة بتوطين الشركات المستثمرة لتشارك في قرارات الإدارة المحلية وكأنها خصخصة الحكومات المحلية لصالح المستثمرين بهدف تطوير البنى التحتية واستدامة الاستقرار ومشاركة أبناء المنطقة والمستثمرين في بناء المنظومة الاقتصادية الشاملة.

هنا تقوم الشركات الاستشارية المتعاونة مع حكومة الإقليم بتأسيس مشاريع تطرح على القطاع الخاص والمستثمرين عبر نظام تمويلي يقوم على أنظمة الصكوك الإسلامية، بحيث يتم اعتماد مشروع يقوم على الربحية المباشرة من العملاء سواء من شركات الدولة أو المواطنين مع ضرورة تطوير نظام التأمين الشامل لسد الفراغ الناجم عن فترة الانتقال من النظام الريعيي إلى النظام المستدام. فنظام التأمين الشامل يجب أن يكفل المواطن في تغطية حاجاته الضرورية مثل المعيشة، والسكن والعلاج. وأقرب الأنظمة إلى ذلك هو نظام التأمين في تركيا، فبسبب ثورة البناء هبطت أسعار السكن، وبسبب ثورة الزراعة هبطت تكلفة المعيشة، وبسبب ثورة المستشفيات استطاعت الدولة عبر عشرات الآلاف من المستشفيات المتخصصة في كل مدينة بلا مبالغة من قيادة البرنامج الصحي بأقل التكاليف مع أفضل المعدات والأجهزة على الإطلاق.

من الذي يمنع هذه الأمة من إعادة تاريخها وأمجادها متى ما أصرت على ذلك، فلقد قامت ألمانيا العظمى بعيد الحرب العالمية الثانية على سواعد النساء فهن من انخرطن في بناء المدن والمصانع وشيدن قطاعات الخدمات، ولم يستطع أحد منع الأتراك من إعادة بناء دولتهم وصعودها إلى صدارة الأمم من جديد بعد أن كانوا في قوائم الدول الأكثر مديونية في العالم. إذا هي مسألة عزيمة وإصرار لكي يخرج الناس من التبعية المركبة سواء لنظام أو دويلة أو حلف أو نظام مالي مثل الدولار مثلا الذي هو عبارة عن قمة استعباد الأمم الضعيفة ومهزوزة البنية وعديمة الإنتاج، والأخيرة هذه تحتها ألف خط لأن أبرز أسباب التعطل الفكري والنفسي والعاطفي (المكون الرئيس لأي عملية إنتاج) هو القمع وضبابية الرؤية وصناعة الدكتاتورية كما هو حاصل في الشرق الأوسط تارة باسم الدين وتارة باسم الوطنية وتارة باسم الأمن وكلها في حقيقة الامر هراء.

كيف تنطلق هذه الرؤية لتلامس الواقع بشكل حقيقي، هنا ومن واقع احتكاكي بصناعة اللوبيات في الولايات المتحدة أكاد أجزم على ما اقول، فكل ما في الأمر فكرة ومصالح مشتركة وتواصل وتحقيق أهداف مقبولة من الجميع تكون الشعوب المستفيد الأول والأخير من ذلك. ولا اعتقد أن ذلك الأمر يستعصي على أولئك الذين تحدوا الصعاب وصنعوا المعجزات عبر سنين الهجرة وكونوا انتصارات شخصية شبه مستحيلة أن يقدموا لأمتهم مثل هذا العمل. فمن الضروري إقحام أي عمل بقاعدة معلومات مستثمرين يكونون هم وقود الدعم لأي مفاوضات أو دعم لمستقبل أي منطقة يتم اختيارها لاحقاً لتكون مرحلة استقلال إداري واستدامة اقتصادية.

وأخيراً، سيتطلب الأمر إحقاق معادلة مختلفة بين الأطراف المتنازعة في صناعة القرار الدولي والمنخرطين في المقامرة الدولية عن صفقة الانتصار الكامل أو الانسحاب الكامل بين المنظمة الصهيونية ومن كان داعما لها في الغرب أو الشرق الأوسط وبين الشعوب العربية صاحبة الشأن أو ممثلين عنهم وعن الفلسطينيين بالذات. وهي بالضبط المقامرة العالمية الكبرى ولكنها هذه المرة بيد شعوب هذه المنطقة، بحيث أن هناك ملايين مكدسة في دولة إسرائيل وفلسطين وهناك مدن مهدمة تحتاج إلى إعادة بناء، ومدن جديدة تحتاج إلى التشييد من الأساس، وهناك فئات من الشباب والشابات في أرض فلسطين ودولة اسرائيل تبحث عن فرص الحياة والاستقرار والأمن من كلا الطرفين، فيفتح لهم باب العمل والاستقرار والهجرة إلى هذه المناطق المميزة والمستقرة من النهر إلى النهر ومن لا يعتقد أن ما حصل للعراق ولسوريا وسيحصل لمصر ليس معد له باحترافية بالغة فهو مخطئ، لأن هناك من هو متعمق في العمل والبحث والرؤية لمستقبل أمته وشعبه لعقود قادمة وهناك من لا ينظر أبعد من طرف أنفه كما هو الواقع لدى الأنظمة العربية

الكاتب ماجد بن فهد الهزاع السبيعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق